محمد جواد مغنية

218

في ظلال نهج البلاغة

كل ما ينشد من سعادة إلا من روّض نفسه على التسليم والرضا بما لا سبيل إلى سواه ، ولا يقول لشيء لم يكن : ليته كان ، أو لما كان : ليته لم يكن . والرضا بمنطق الواقع هو الذي عناه الإمام ، وأثنى عليه بقوله : « نعم القرين الرضا » لأنه يحرر صاحبه من الحيرة والقلق ، والتبرم والسخط بلا جدوى . وبالاختصار ان تعاسة الإنسان قد تأتي من داخله لا من خارجه ، ومن صنع يده لا من صنع القدر ، لأنه يرفض الانسجام مع ظروفه الخاصة التي تمسه في الصميم ، وتؤثر عليه وعلى شؤونه ، ولا يجني من معاندتها إلا الآهات والحسرات . . ورأيت من الشباب الجامعي من يأنف ويحتقر بعض الأعمال ، لأنها - بزعمه - عيب يمس بكرامته ، ويطمح إلى وظائف الأغوات وأبناء الذوات ، فيبحث ويلهث وراء كل متزعم حتى إذا يئس عاد إلى ما استنكف عنه من قبل ، وطلبه بلهفة . . ولكن بعد فوات الفرصة التي لا سبيل إلى مردها . . فقعد كسيحا خاسرا ، لأنه أراد القفز أكثر مما تستطيع عضلاته . وهكذا قضت حكمة الخالق جلّ وعلا أن يعاقب بالحرمان من استنكف عن رزقه المكتوب . وأيضا رأيت كثيرا من الشباب الجامعي يستسلمون لمنطق الواقع ، ولا يأنفون من وظيفة كاتب بسيط ، وبعضهم من حملة الدكتوراه ، ومع الصبر والأيام صار أحدهم مديرا عاما ، وآخر أستاذا جامعيا ، أو رئيسا لمصلحة ، أو قاضيا مرموقا . . ولا سر - فيما أعتقد - إلا الرضا والصبر الذي هو من مظاهر الحمد والشكر ، فأنجز لهم سبحانه قوله ووعده : * ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) * - 7 إبراهيم . حمدا للَّه وشكرا . ( والعلم وراثة كريمة ) قال ابن أبي الحديد في شرحه : « كل عالم يأخذ العلم من أستاذه فكأنه ورث العلم عنه » وتبعه ميثم في هذا التفسير وقال : « العلم وراثة عن العلماء » وقال شارح ثالث : « أخطأ الاثنان ، والحق في التفسير ان العلم يؤخذ بلا عوض تماما كالإرث » . . ولو تنبه هؤلاء الشارحون لقول الإمام في الحكمة رقم 147 لأراحوا واستراحوا من هذا التكلف والتعسف . قال الإمام في هذه الحكمة من جملة ما قال : « العلم يكسب الانسان جميل الأحدوثة بعد وفاته » وهذا بالذات هو مراد الإمام بقوله : « والعلم وراثة كريمة » فإن كلام